العنصرية ضد السود

نظرة على تاريخ العنصرية ضد السود وكيف شارك المسلمون فيها بشكل فظيع

لقد ناضل أصحاب البشرة السوداء كثيرا ليحصلوا على المساواة الّتي ليست إلّا حقّا من حقوقهم، وذلك للتغلّب على ما يسمّى بالعنصرية ضد السود. ويتركّز ذلك النضال الّذي خاضوه بشكل خاصّ في أوروبا وأمريكا، أي ضدّ العرق الأبيض. لكن هذه القصّة هي ما نعرفه إعلاميا فقط.

وقد كنت أتساءل لماذا لم يكن للعالم الإسلامي بصمة في هذا الموضوع؟ لقد تقرّرت المساواة بين البشر مهما كانت أعراقهم أو أجناسهم عندما نزل القرآن قبل 14 قرنا، فلماذا لم يستطع العالم الإسلامي أن يزرع هذه الأفكار لدى بقيّة الشّعوب؟ لماذا لم يستطع أن يسوّق لهم “حقوق الإنسان” كما فعلوا هم ويفعلون إلى يومنا هذا؟

هذا ما كنت أفكّر فيه قبل البحث لكتابة هذا المقال، لكن الإجابة بيّنت لي بأنّ تساؤلي سخيف أصلا. فالعرب كانوا أوّل من بدأ باستعباد السود، وواصل العرب فعل ذلك بعد الإسلام، ولهم حكايا يشيب لها الرّأس، ولا تختلف عن الحكايا الّني نسمعها عن عنصرية أمريكا.

سأتحدّث في هذا المقال عن بداية العنصرية والاستعباد لأصحاب البشرة السوداء. وكيف شارك العرب وأمريكا وأوروبا في مأساة لا تزال آثارها ظاهرة إلى يومنا هذا.

احصل على ثانوية الأشباح

قد ترغب بقراءة: تعرّفوا على مأساة الروهينغا من بدايتها إلى يومنا هذا

العنصرية ضد السود بدأت من المنطقة العربية

لا بدّ بأن نتذكّر صورة بلال بن رباح، العبد الحبشي الّذي حرّره أبو بكر بعد دخوله الإسلام. فقد اعتاد العرب قبل الإسلام استخدام السود كعبيد حصرا. فالرجال يخدمونهم، ويجعلون النساء للمتعة الجنسية. ورغم أنّ العرب لم يحدّدوا بأن يكون الاستعباد نحو أصحاب البشرة السوداء فقط، إذ كانت الحروب تعني استعباد الخاسر، إلّا أنّهم حملوا نظرة سلبية حسب لون البشرة.

ورغم أنّ الإسلام قد جاء ليساوي بين البشر، إلّا أنّ تعاليمه لم تدخل عقول المسلمين كما ينبغي. وهنا يجب أن أشير إلى أنّ انتشار الإسلام على الأرض لم يكن انتشارا ناجحا تماما. فقد كان انتشارا مليئا بالعنصرية من العرب ضدّ بقيّة الأجناس. فكثيرا ما كان يظنّ العرب بأنّهم العرق الأفضل لأنّ الإسلام نزل فيهم، وفي الحقيقة، هم لازالوا يظنّون ذلك. وهذه العنصرية هي تماما ما جعلت شعوب المنطقة في مصر والسودان والشام والعراق وشمال أفريقيا يتبنّون اللغة العربية، لأنّهم شعروا بنقص أمام العرب وظنّوا بأنّهم سيصبحون مسلمين مساوين لهم إن هم تبنّوا لغتهم وعاداتهم.

ومع هذا الفكر المنحرف، نظر العرب إلى أصحاب البشرة السوداء على أنّهم من طبقة دنيا. فقد وصفهم مؤرّخون من أمثال ابن خلدون بأنّهم شعب تعرّض للحرارة العالية فأصبحت بشرتهم محترقة وعقولهم منكمشة، ولذلك هم لا يستطيعون التفكير والعمل كبقيّة البشر. (وأنا من كنت أتساءل كيف لم يعلّم المسلمون بقيّة الشعوب عن المساواة بين البشر).

ولهذا كان العرب أوّل من بدأ بجلب أصحاب البشرة السوداء إلى المنطقة العربية لاستخدامهم كعبيد، وهذا بعد مجيء الإسلام. ثمّ بدأوا يبيعونهم للهند، ثمّ شاركوا في بيعهم إلى أمريكا لاحقا.

قد ترغب بقراءة: السلطان عبد الحميد الثاني… الرجل الّذي كافح لإنقاذ الوحدة الإسلامية (1)

تطوّر العنصرية ضد السود

مع بداية استكشاف الإنسان لمناطق أخرى، وصل الأوروبيون إلى أفريقيا، ورأوا فيها شعبا مختلفا عنهم تماما. وقد سيطرت أفكار كثيرة على الأوروبيين حينها. فأوّلا كانت لهم رغبات استعمارية، وبعد اكتشاف القارة الأمريكية، بدأ الأوروبيون بتجارة العبيد وأخذهم إلى المستعمرات الأمريكية (الولايات المتحدة حاليا) لاستخدامهم في العمل بداية من القرن السادس عشر. وثانيا، بعد تحرّر الأوروبيين من الكنيسة، بدأت تراودهم مختلف الأفكار المنحرفة عن الإنسان. ومن بين تلك الأفكار فكرة كونهم عرقا أفضل من العرق الأفريقي، بسبب لون البشرة الّذي كان غريبا عنهم.

ثمّ انتشرت مختلف الأفكار الغريبة عن أصحاب البشرة السوداء في المستعمرات الأمريكية. فقد رأى العرق الأبيض بأنّ الحفاظ على النسل الأبيض مهمّ، ولا يجب تلويثه بأصحاب البشرة السوداء، ونظروا إلى السود على أنّهم أدنى منهم. وهناك الكثير من القصص عن حدائق البشر الّتي كان يوضع فيها أصحاب البشرة السوداء، ليأتي الناس ويتفرّجوا عليهم.

وهذه العنصرية لم تختف بسهولة. فأوّلا تمّ منع تجارة العبيد سنة 1807 من قبل البريطانيين، ثمّ تبعتهم الولايات المتحدة. وقد استمرّ الاستعباد في مناطق كثيرة، أفريقية خاصّة، كما لم يكن منعه صعبا لدى العرب لولا ضعفهم بشكل عام.

لكنّ النظرة السيّئة نحو أصحاب البشرة السوداء استمرّت. ففي الولايات المتحدة، لم يُمنح أصحاب البشرة السوداء الحقّ في الاختلاط مع البيض في الأماكن العامة إلّا سنة 1960 تقريبا. وقد فاجأتني قصة روبي بريدجز الّتي كانت أوّل تلميذة من أصحاب البشرة السوداء تدخل مدرسة للبيض. حيث كان يرافقها حرّاس لكيلا يتعرّض لها البيض بالأذى. ولم يكن سهلا أن يتقبّل الأهالي أن تدرس مع أطفالهم فتاة سوداء البشر. وقد كانت تلك التجربة بداية الاختلاط في المدارس الأمريكية.

ما أصل العنصرية ضد السود؟

لا يبدو واضحا كيف بدأت هذه العنصرية ولماذا. لكن من الواضح بأنّها انحدرت من الاختلاف. فحينما رأى العرب أشخاصا مختلفين عنهم، ظنّوا بأنّهم أقلّ منهم درجة (مع أنّ العرب كانوا يشعلون الحروب لأجل ناقة، فلا أدري بماذا كانوا يفتخرون). ونفس الأمر مع الأوروبيين، فقد رأوا شعوبا مختلفة عنهم فظنّوا بأنّهم أفضل منهم. ومع أنّ النظرة الأوروبية تُغتفر، لأنّهم يسيرون دون دين ولهذا لهم الكثير من الأفكار المنحرفة عن الأعراق، لكن ماذا عن العرب المسلمين؟ كيف واصل العرب النظر إلى بقيّة الأعراق بتلك الطريقة رغم تعاليم الإسلام المساوية بين البشر؟

وعلينا أن ننتبه إلى نقطة مهمّة أخرى، وهي بأنّ بعض المؤرّخين الأوروبيين يقولون بأنّ أصحاب البشرة السوداء لم يكن لهم أيّ تاريخ يذكر. لكنّ كثيرا من المؤرّخين ينكرون هذا. إذ يقضي الاعتقاد السائد بأنّ أفريقيا هي مهد الإنسان، ومنها بدأ انطلاقه في الأرض. وقد بنى الأفريقيون حضارات وامبراطوريات. وما نعرفه بالحبشة كانت إحداها، وهي ما يُعرف اليوم بأثيوبيا.

وبشكل عام، كانت العنصرية تنحدر من النظرة المختلفة لبقيّة الشعوب. فاليابانيون مثلا ينظرون إلى الأجانب إلى يومنا هذا نظرة سلبية. ولهذا كان لأصحاب البشرة السوداء النصيب الأكبر من هذه العنصرية، لأنّ لون بشرتهم مثّل أكبر اختلاف رآه البشر حينما اصطدموا ببعضهم. ودون إرشاد ديني يوضّح لهم بأنّ البشر كلّهم متساوون، جنح البشر إلى تصنيف الأعراق، وقد نتج من ذلك نظريات مجنونة مثل الدارونية وغيرها. لكن يظلّ خطأ المسلمين خطأ لا يُغتفر. فكان يجب أن يرشدهم الإسلام إلى منع تجارة العبيد، لا أن يشاركوا فيها. وتظلّ هذه نقطة سوداء تعني بشكل أوضح بأنّ الإسلام انتشر سطحيا. وقد بدأ الخطأ منذ تولّي معاوية للحكم على أساس قبلي، وليس على أساس اختيار المسلمين لخليفتهم كما كانت الخلافة من قبل.

قد ترغب بقراءة: قصّة السودان (4): الحكم الثنائي للسودان وأثره على جنوب السودان خاصّة

هل استسلم أصحاب البشرة السوداء لتلك الأفكار عنهم؟

بالتأكيد لا، فقد ناضل أصحاب البشرة السوداء نضالا مبهرا عبر التاريخ. وجميعنا يعلم قصّة روزا باركس، المرأة الّتي أشعلت النضال ليحصل أصحاب البشرة السوداء على حقوقهم في الولايات المتحدة، وذلك حينما رفضت منح مقعدها في الحافلة لرجل أبيض. ومن المدهش بأنّ هذا الأمر قد حدث سنة 1955، وجاء على إثره مارتن لوثر كينغ ليبدأ انتفاضة كبيرة لمنح أصحاب البشرة السوداء حقوقا مساوية للبيض. فمن المثير للسخرية كيف أنّ الولايات المتحدة لم تكن تقبل السود قبل 5 عقود فقط! وربّما يفسّر هذا كيف أنّه لازال هناك بيض يحتقرون بقيّة الأعراق إلى يومنا هذا.

ولا ننسى نيلسون مانديلا الّذي حارب نظام التمييز العنصري (ما يسمّى بالأبارتايد) ضد أصحاب البشرة السوداء في جنوب أفريقيا، حيث ساهم في القضاء عليه، وأصبح أوّل رئيس أسود للبلاد.

فالتاريخ كما يمتلئ بالأمور السلبية عن أحداث معيّنة، تجده يمتلئ في المقابل بأمور إيجابية مثيرة للإعجاب. ومثل قضيّة أصحاب البشرة السوداء لا تعني بأنّ المعاناة جعلتهم يستسلمون، فكم عُرف في التاريخ، منذ القرن السابع عشر، عن أشخاص تمّ تهريبهم كعبيد، لكنّهم هربوا وشكّلوا شبكات لتحرير البقيّة.

وفي النهاية، حتّى لو كانت العنصرية لاتزال موجودة إلى يومنا هذا من قبل بعض الجهّال، فلا يعني ذلك بأنّ العرق الأبيض يعيش أفضل من العرق الأسود. بل كلّ يحصل على مراده إن عمل بجدّ. ومن يُنظر إليه بسلبية في يومنا هذا هو ذلك العنصري الّذي يحمل الكراهية، وليس صاحب البشرة السوداء، وهذا هو الإنجاز الكبير الّذي شارك فيه مناضلون كثر، من مختلف الأعراق، لأنّهم آمنوا بالمساواة بين البشر.

خلاصة القول

وصلت أعداد ما جلبه العرب كعبيد من أصحاب البشرة السوداء إلى حوالي 9.85 مليون شخص، وذلك بين سنتي 650 و1800 ميلادي. بينما تمّ جلب حوالي 12 مليون أفريقي كعبيد إلى المستعمرات الأمريكية (ما يسمّى بتجارة العبيد عبر الأطلسي)، وهو رقم يرفضه بعض المؤرّخين، إذ يقدّر العدد الحقيقي بأكثر من 50 مليون شخص. وخلال عمليات النقل، سواء عبر الصحراء أو على متن السفن، عانى الأفريقيون من الإساءة وربط الأيدي والموت عطشا أو تعبا، وتمّ ترك جثثهم في الصحراء أو رميها في المحيط.

لا أدري إن كنت قد كتبت هذا المقال بالشكل المطلوب. فرغم أنّني قرأت الكثير لأفهم سبب العنصرية ضد السود، إلّا أنّ فهمها لا يزال صعبا عليّ. وأعترف بأنّه لم تكن لديّ فكرة واضحة بشأن ما عاناه أصحاب البشرة السوداء. فأحيانا حينما تكون الأفكار مخيفة، نحاول أن ننكرها. وهو تماما ما حدث لي مع هذا الموضوع. فأن يتمّ استعبادك وبيعك والنظر إليك على أنّك إنسان دوني فقط لأنّ لون بشرتك مختلف هو أمر لا يستطيع عقلي تصديقه مهما حاولت.

ويتصادم هذا الموضوع أحيانا مع موضوع المرأة الّذي اهتممت بالكتابة عنه كثيرا. فقد حاولت أن أوضّح بأنّ فكرة كون المرأة أقلّ من الرجل هي فكرة جاءت من أفكار متعصّبة لأشخاص لازالوا يعيشون جاهلية، وليست من الإسلام في شيء. لكنّني أعترف الآن بأنّ موضوع الإساءة للمرأة، سواء في المجتمع الشرقي، أو في مجتمعات أخرى قديما، لا يصل إلى ما حصل لأصحاب البشرة السوداء، بل لا يساوي شعرة منه.

أرجو أن يكون مقالي هذا مفيدا للتعرّف على الحكاية. ويمكن قراءة المزيد من خلال المصادر المضمنة في المقال، ومن خلال هذا الرابط أيضا.

قد ترغب بقراءة: قصة الإيغور… المعاناة الصّامتة الّتي استمرّت لسنوات ولازالت



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × اثنان =

أسماء عابد
أسماء عابد   
أستاذة جامعية حاملة لشهادة دكتوراه في الهندسة الميكانيكية. كاتبة ومدوّنة ومترجمة وباحثة أكاديمية تعشق الكتب والتاريخ والحضارات
تابعونا
روايتي “ثانوية الأشباح”
class="no-lazyload"
يمكنكم شراء وقراءة روايتي "ثانوية الأشباح" من خلال الرابط أدناه. بسعر 0.99 دولارا فقط!

اضغط هنا للاطلاع على التفاصيل

اشتري الآن