تربية الأبناء في المجتمع الشرقي

فشل تربية الأبناء في المجتمع الشرقي

حينما نتحدّث عن تربية الأبناء في المجتمع الشرقي، فأقلّ ما يقال عنها بأنّها كارثية. فبينما نرى في دول أخرى كيفية اهتمام الأزواج بتربية الأبناء لدرجة الذهاب إلى استشارات أسرية، ولدرجة قراءة الكتب وما إلى ذلك، قبل مجرّد التفكير بإنجاب طفل. نجد في مجتمعاتنا بأنّ عملية إنجاب الأطفال هي أسهل ما يكون. حيث لا يعطونها أيّ تفكير على الإطلاق.

سأتحدّث في هذا المقال عن فشل المجتمعات الشرقية في تربية الأطفال. ما أفرز أجيالا مشوّهة نفسيا وغير مؤهّلة لإصلاح محيطها فقط، فضلا عن المشاركة في إصلاح المجتمع ككلّ. ولماذا لا يهتمّ المجتمع الشرقي بالتربية مطلقا.

احصل على ثانوية الأشباح

لا تتمتّع تربية الأبناء في المجتمع الشرقي بأيّ تخطيط

العلاقة الزوجية في المجتمع الشرقي تتمثّل في “يجب أن تتزوّج لأنّ الجميع يفعل ذلك“، ثمّ يتبعها “يجب أن تنجب لأنّ الجميع يفعل ذلك“. طبعا هناك استثناءات لأشخاص يعطون أهمّية للزواج والإنجاب، ويقدّمون للمجتمع أبناء صالحين وبنات صالحات. لكنّ الغالبية في المجتمع لا تفكّر في ذلك مطلقا.

ولهذا لا تجد الزوجين يفكّران بكيفية تربية الطفل أو كيفية التعامل مع غضبه أو حزنه، أو ابتكار طرق لتعليمه، أو كيفية مساعدته على العثور على شغفه، أو أيّ شيء من ذلك القبيل. بل في مجتمعاتنا لا يفكّر الأزواج حتّى في مسألة مصاريفه وتحضير احتياجاته من مكتب الدراسة والغرفة وما إلى ذلك. فتجد أسرة لا تستطيع تحمّل مصاريف طفل واحد، ومع ذلك تواصل إنجاب الأطفال دون مراعاة لحقوق أولئك الأطفال.

وما يثير غضبي هو كيف يعامل الآباء والأمّهات الأطفال كما لو أنّهم كائنات لا تفهم ولا تفكّر.

فيكذبون عليهم لجعلهم يتوقّفون عن البكاء، ولا يلتفتون مطلقا لما يحاولون إخبارهم به. ويعتبرون بكاءهم أمرا عاديا، بل ويعتقدون بأنّ الطفل يبكي دون سبب لأنّه طفل وكفى. وقد وجدت كلّ الدراسات بأنّ الطفل حسّاس لدرجة كبيرة منذ ولادته. فكلّ لمسة وكلّ كلمة تُقال له تترك في نفسه أثرا لا يُمحى بسهولة. والطفل الّذي يُعامل كشخص حقيقي هو من يكبر بتوازن ليصبح شابا سليما أو فتاة سليمة. أمّا الطّفل الّذي يتمّ تجاهله في سنواته الأولى، فيكبر بندبات نفسية لا تُشفى بسهولة.

ولا أدري حقّا كيف لا يخاف الأب أو الأم من تربية أطفالهم. كيف لا يخطر ببالهم أن يتوقّفوا للحظة لينتبهوا إذا ما كان هذا الطفل يحصل على حقّه من الاهتمام؟ بل كيف يستطيعون الإنجاب دون تخطيط لطريقة التربية؟ ورغم أنّني كبرت في المجتمع الشرقي، لكنّني لا أستطيع أن أفهم كيف يعاملون الأطفال بهذه الطريقة، بل وأشعر بالأسى كلّما رأيت أمّا تجرّ ابنها خلفها وهو يبكي دون أن تهتمّ لسبب بكائه أو تحاول على الأقلّ الانتباه بأنّها تعامله كحيوان وهي تجرّه بتلك الطريقة. ورغم أنّني كبرت في المجتمع الشرقي فأنا أفهم تماما كيف يفكّر الآباء والأمّهات في المجتمع الغربي، حيث يعتبرون تربية طفل أمرا في بالغ الأهمّية. ويحصلون على الاستشارات لفعل ذلك، ويحاولون بجهد فهم أطفالهم وتوجيههم توجيها سليما. وهو ما يخرج لهم جيلا ناجحا بينما يخرج لنا جيلا مشوّها.

قد ترغب بقراءة: لماذا لم يتوقّف تقليد الآباء والأجداد ومشايخ الدين رغم ذمّ القرآن للآبائية؟

بعض الأساليب الفاشلة لتربية الأبناء في المجتمع الشرقي

حينما نتحدّث عن أساليب التربية في المجتمع الشرقي، فالضرب هو حتما أوّلها. إذ يقوم الآباء والأمّهات بضرب الأطفال بسبب وبغير سبب. ورغم أنّ الدّراسات كلّها تجمع على أنّ الضرب ليس أسلوب تربية، ورغم أنّ المجتمع الشرقي نفسه يرى بأنّه لا يخرج بأيّ فائدة من ضرب الأطفال، لكن لا حياة لمن تنادي. بل أكاد أجزم بأنّ ضرب الأطفال ما هو إلّا طريقة لشفي غليل الأنفس المشوّهة. فتضرب المرأة ابنها لأنّها تعرّضت للقهر من قبل عائلتها، أو تتعرّض للقهر من قبل زوجها، فتنفّس عن ذلك في أطفالها. ويضرب الرجل أطفاله لأنّ المجتمع يقهره أو لأنّه فاشل يريد تغطية فشله في أطفاله.

وبهذا يخرج جيل آخر مشوّه نفسيا بسبب الضرب، ليفعل نفس الأمر مع الجيل التّالي، وهكذا دواليك. فالضرب ليس إلّا إهانة لا يجب أن يتعرّض لها الطفل. بل وأيّ كلمة مسيئة هي إهانة لا يجب أن يتعرّض لها الطّفل. فكلّ تلك الأمور تحفر عميقا في نفس الطفل، فتجعله يكبر بنفسية غير متوازنة. وكلّ تلك الإهانات تخلق أطفالا يستخدمون العنف في كلّ شيء.

ومن الأساليب الفاشلة أيضا نذكر عدم مشاركة الأب في التربية.

إذ لا زال المجتمع الشرقي ينظر إلى الأب وكأنّه سوبرمان يذهب لإنقاذ النّاس ثمّ يعود ليلا متعبا، فلا يجب أن يزعجه أحد. وقد بيّن العصر الحديث مدى كسل الرجال واتّخاذهم العمل كذريعة لممارسة كسلهم. فقد مثّلت المرأة في عصرنا هذا دور البطولة الحقيقي. إذ تعمل خارج المنزل وداخله وتقوم بتربية الأطفال وتعليمهم. وما هو إلّا دليل آخر على تفوّق المرأة على الرجل في المجتمع الشرقي الّذي لازال يقدّس الرجل ويعتبر المرأة أقلّ منه شأنا.

ولهذا أصبحت ذريعة العمل الّذي يتّخذها الآباء ذريعة واهية. وهي عذر أقبح من ذنب ليستخدمها الرجل كي لا يقوم بتربية أطفاله. والتربية الواجبة هي أن يمنح أطفاله الحنان والعطف، وليس أن يقتصر دوره على العقاب فقط كما يحصل في كثير من العائلات.

ولا ننسى أيضا بأنّ أبزر الأساليب الفاشلة في التربية هي التفريق بين تربية الفتاة وتربية الولد. إذ يتمّ تعليم الفتاة بأنّها خلقت للعمل المنزلي، بينما يتمّ قهر الولد منذ صغره بعبارات “أنت رجل”، فيكبر شعوره بالقهر وهو لا يستطيع التعبير عن حزنه أو البكاء لأنّهم سيسخرون منه. وغالبا ما يكون التفريق أيضا في منح الفتاة شعورا بأنّها عار العائلة مهما فعلت، لذلك يجب مراقبتها وحبسها. بينما لا تلتفت الأسرة إلى الولد، فتربيته عادة ما تكون بتسريحه للشارع ليتعلّم كيف يصبح صعلوكا بامتياز.

قد ترغب بقراءة: كيف يحاول العالم العربي إقحام الدين حينما يتعلّق الأمر بعادات وتقاليد محضة

الخلاصة

كانت هذه مجرّد فضفضة لكوارث التربية في المجتمع الشرقي. وكما قلت من قبل، هذه الأساليب ليس تخطيطا أصلا، لأنّ الأسر في المجتمع الشرقي لا تخطّط لكيفية تربية أبنائها. بل هي مجرّد تراكمات ثقافات وأعراف بالية. وهي مجرّد نتائج الجهل من قبل الزوجين، مع عدم وجود أيّ وسائل تعليمية للأزواج قبل الإنجاب. فكيف تتوقّع من فتاة مقهورة تزوّجت في سنّ السابعة عشر أن تربّي طفلا سليما؟ وكيف تتوقّع من صعلوك مشوّه نفسيا بسبب نقص الحنان أن يربّي طفلا سليما؟

ولهذا تظلّ التربية في مجتمعاتنا حلقة مفرغة ليس الخروج منها سهلا. وهنا أيضا لا بدّ أن أذكر بأنّ التعليم أمر مهمّ لإصلاح ما تفسده الأسر. فلو أنّ التعليم يقوم بدوره في تعليم الأطفال عن المجتمع والزواج وتربية الأطفال بالشكل الصحيح، منذ صغرهم إلى وصولهم إلى الثانوية. لاستطاع الأطفال التحرّر من تلك الندبات النفسية، ثمّ تكوين أسر أفضل ممّا تربّوا هم عليه. لكن ولأنّ التعليم لا يقوم بمهمّته كما يجب، فتجد الجيل يكرّر نفس أخطاء الجيل السابق. ويخرج من هذه الحلقة المفرغة من يهتمّ بالتعلّم فيقرأ ويبحث ويفتح عقله على العالم. فيتحرّر حينها من ثقافة تكبّله ويؤسّس للتغيير في أسرته المستقبلية، بل وفي محيطه أيضا.

ويمكن أيضا إصلاح هذا الوضع من خلال نظام زواج وإنجاب بلجان متخصّصة. حيث تقوم تلك اللّجان بتعليم الأزواج الجدد قيمة الحياة الزوجية وطريقة تسييرها تسييرا سليما. وكيفية تربية الأطفال تربية سليمة، والحضّ على التفكير في مدى قدرة العائلة المالية مقارنة بعدد الأطفال الّذي ترغب الأسرة به، فيكون هناك تنظيم للنّسل بدل جلب الأطفال إلى هذا العالم وتعريضهم لحياة صعبة من كلّ النواحي. فلو كانت هناك مثل هذه اللّجان، ولو كانت هناك مراقبة دورية لسلامة الأطفال النفسية لدى العائلات. لحاول الأزواج بجدّ تصحيح الخلل، ويمكن بهذا أن نحصل على جيل سويّ متوازن يغيّر المعادلة.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسماء عابد
أسماء عابد   
أستاذة جامعية حاملة لشهادة دكتوراه في الهندسة الميكانيكية. كاتبة ومدوّنة ومترجمة وباحثة أكاديمية تعشق الكتب والتاريخ والحضارات
تابعونا