التحرش الجنسي

أسباب التحرش الجنسي الحقيقية ولماذا أصبح أمرا طبيعيا

هذا الموضوع ليس مريحا على الإطلاق بالنّسبة لأيّ فتاة أو امرأة، فالتحرش الجنسي الّذي أصبح معتادا في الشوارع يجب أن يوضع حدّ له بطريقة ما. لكن للأسف ما نراه في حياتنا هو أنّ هذا التحرّش يتحوّل إلى أمر “عادي” مع الوقت. فتصبح النّساء معتادات على معاناة ذلك خلال مراحل حياتهنّ المختلفة، ويصبح أمرا عاديا الاستماع إلى التعليقات من الذكور وتجاهلها. لكن لماذا يجب أن يكون هذا أمرا طبيعيا؟ لماذا لا يتمّ التصدّي لمشكلة التحرّش الجنسي بشكل أو بآخر؟

قرأت الكثير من المقالات عن الموضوع وعن أسبابه وعمّا تحاول بعض الدول فعله لإيقاف هذه الأفعال ضدّ النساء، لكنّ مقالا واحد جذب انتباهي سأستحدّث عنه لاحقا.

سأحاول في هذا المقال أن أشرح قليلا عمّا هو التحرش الجنسي ولماذا يقوم به الذكور، وهل هناك فعلا طريقة لإيقافه.

هل يفهم أشباه الرجال أولئك بأنّ التحرش الجنسي ليس ممتعا “على الإطلاق” بالنّسبة للنّساء؟

تمّ إجراء دراسات كثيرة، سواء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو في العالم الغربي، لاستطلاع آراء النّساء بشأن ما يتعرّضن له من تحرّش في الشوارع، وآراء أشباه الرجال فيما يقومون به من تحرّش. ولستُ أحتاج أن أعرف نتائج آراء النّساء، فأنا وحدي أستطيع أن أتحدّث عنهنّ جميعا حينما أقول بأنّنا ننظر إلى ذلك التحرّش على أنّه اعتداء علينا، وبأنّنا نحتقر فاعله لدرجة يكون فيها الردّ عليه أو النظر إليه مضيعة للوقت.

لكنّ الأمر يصل إلى ما هو أبعد من ذلك لبعض النّساء، وخاصّة الفتيات الصغيرات. فقد عانت الكثيرات منهنّ من مشاكل نفسية وأصبحن يكرهن كونهنّ فتيات. خاصّة حينما لا يتلقّين أيّ مساعدة أو إرشاد عن الموضوع. وقد يتحوّل الأمر إلى آثار نفسية تستمرّ مدى العمر. أو إلى أذيّة النفس بسبب عدم القدرة على فهم ما تتعرّض له الفتاة فقط لأنّها فتاة.

أمّا عن أشباه الرجال، فلا يبدو بأنّهم يفهمون مدى تأثير تلك الأفعال على النّساء. فأحيانا يرون ذلك بأنّه مجرّد مرح ومدح لا يضرّ. بينما إن سألتهم عن رأيهم فيما إن تعرّضوا لتحرّش من ذكر شاذ، فستسمع صرصور الحقل في المكان. لأنّ مجرّد التفكير في ذلك يجعلهم يشعرون بالغثيان.

المشكلة الأولى تكمن في أن يفهم أشباه الرجال أولئك بأنّه غير مرحّب بتعليقاتهم على الإطلاق. والثانية تكمن في أن يفهموا بأنّ نسبة نجاح ذلك في الحصول على انتباه فتاة هي نسبة شبه منعدمة. فلا ترغب أيّ فتاة بالإعجاب بمريض نفسي، إلّا إن كانت هي بدورها مريضة نفسيا مثله.

وهناك أيضا من لا يزال يلوم الفتاة على التحرّش بسبب ملابسها. وحينما تخبره بأنّ نساء يلبسن الجلباب يتعرّضن للتحرّش، تسمع مرّة أخرى صرصور الحقل في المكان. فالحقيقة بأنّ المشكلة تكمن في عقول أشباه الرجال ممّن يفعلون ذلك. ولا يوجد أيّ سبب آخر سوى عقولهم الّتي تقودهم للتحرّش الجنسي.

لكن ربّما هناك طريقة أفضل لفهم أسباب التحرش الجنسي الحقيقية، وهي الذهاب بعيدا إلى أعماق أشباه الرجال أولئك.

قد ترغب بقراءة: كيف يحاول العالم العربي إقحام الدين حينما يتعلّق الأمر بعادات وتقاليد محضة

أسباب التحرش الجنسي الحقيقية تكمن في فهم تركيبة المجتمع

كنتُ تحدّثت من قبل في مقالين عن أزمة الرجل الشرقي وأزمة المرأة الشرقية، بأنّ سبب المجتمع الذكوري المشوّه الّذي نعيشه هو التربية لا غير. إذ تتمّ فيه تربية الذكر على أنّه يجب أن يكون بلا إحساس ومشاعر لأنّه رجل. فيكبر مشوّها عاطفيا يعتقد بأنّ قوّته تكمن في سيطرته على امرأة. وهذه التربية نفسها، والّتي تساهم فيها المرأة لأنّها هي المربّية، هي ما تخلق لنا متحرّشين جنسيا في المجتمعات.

ورغم أنّني ركّزتُ على ما يحصل في المجتمع الشرقي فقط. إلّا أنّ مقالا وجدته يحاول تفسير أسباب التحرّش قد خرج بنفس النتيجة. فهذا الذكر الّذي يكبر مشوّها عاطفيا والّذي يُطلب منه أن يكون قويّا مستقلّا ملكا ومتسلّطا، يشعر بضغط كبير لكي يلبّي تلك التوقّعات الّتي كبر وهو يعتقد بأنّه يجب أن يلبّيها. ولهذا حينما لا يكون ذلك ممكنا طوال الوقت. وحينما يرى نساء ناجحات وأفضل منه. فإنّه يبدأ بالتّنازع مع نفسه محاولا إيجاد حلّ لتلبية التوقّعات.

ومن بين الحلول الّتي يجد فيها متنفّسا له، يكون التحرش الجنسي أسهلها. فمن خلال محاولته الاعتداء على خصوصية فتاة من الخلال التعليق على جسمها أو جمالها، فإنّه يحاول أن يلبّي رغبة نفسه بأن يكون أفضل من المرأة، وبأن تكون المرأة قد خلقت لتلبية رغبته، وبأن يشعر بأنّه قويّ وفي مكان مرتفع. ولهذا هو لا يشعر حتّى بذلّ ما يفعله من خلال التعرّض للنّساء اللّواتي يتجاهلنه في أغلب الأحيان، بل يمحو كلّ المشاعر في تلك اللّحظة، ويبقي على مشاعر الشعور بالقوّة والرضى بكونه ذكرا.

ومشكلة الذكر المشوّه عاطفيا والمضغوط من قبل المجتمع هي مشكلة عالمية حسب ما يبدو. لكن لا أحد يتحدّث عنها لأنّ الأمور الخاطئة أصبحت “طبيعية” للأسف. ورغم هذا التفسير المنطقي قليلا، إلّا أنّني لا أذكره هنا للتبرير، بل هي محاولة لفهم الخلل فقط. فكلّ إنسان، مهما عاش من ضغوط أو مشاكل في حياته، يستطيع أن يختار أن يكون خيّرا أو شرّا في هذه الحياة. ومن يختار التحرش لينفّس عن غضبه من الحياة فهما هو إلّا جبان يختبئ خلف مخاوفه.

إذا كان المجتمع الشرقي ذكوريا، فما مشكلة المجتمع الغربي؟

تظهر في المجتمع الشرقي بشكل أوضح فكرة الذكورية المسيطرة وفكرة الذكر المشوّه والأنثى الضحّية كما كنت قد شرحت في مقاليّ السّابقين. ويزيد التراث الإسلامي المنحرف الطين بلّة حينما يحاول تبرير هذه الذكورية من خلال تحريف الدين ليوافق هوى رجال الدين المتعصّبين لجاهلية المجتمع. لكن ماذا عن المجتمع الغربي مثلا؟

في هذا المجتمع لا تتعرّض النساء إلى ذكورية المجتمع بالشكل الغالب في المجتمع الشرقي. لكنّ النساء والرجال معا يتعرّضون لنوع مختلف من الخلل المجتمعي، وهو التعريض بأجسام النّساء. ففي ذلك المجتمع لا يُطلب من النساء المكوث في البيت والتخلّي عن الحياة كلّها والاكتفاء بأربعة جدران وخدمة رجل كما يحصل في مجتمعاتنا. لكن يُطلب منهنّ أمر آخر، وهو أن يكنّ جميلات فاتنات لهنّ أجسام رشيقة تلفت الأنظار.

وهذا الفعل لا يضع ضغوطا رهيبة على النساء فقط، وهو موضوع يحتاج مقالا منفصلا. لكنّه يخبر الرجال أيضا بأنّ أجسام النساء متاحة لهم وقتما شاءوا. ويستطيعون بضغطة زرّ الحصول على مواد إباحية بسهولة كما لو كان الأمر عاديا تماما. وهذه السّهولة في الوصول إلى أجساد النّساء، والضغوط على النساء ليكنّ دوما فاتنات ليحصلن على رجل. كلّ هذا يولّد لدى الذكر فكرة بأنّه مسموح له أن ينظر إلى جسد المرأة الّتي تمرّ به. وأن يعلّق عليها، وأن يلمسها حتّى.

وطبعا ومرّة أخرى، لا يصدر هذا الفعل إلّا من أشباه الرجال ممّن يحاولون العثور على أيّ شيء ينفّس عن غضبهم من المجتمع. أمّا الرجل الّذي يهتمّ بهدفه في الحياة فلا تجده يلتفت لمن تمرّ بجانبه أصلا، سواء في المجتمع الشرقي أو الغربي. لأنّه يملك قدرا عاليا من الثقة بالنفس ومن الكرامة، ولا يحتاج لأن يثبت شيئا لا لنفسه ولا للمجتمع.

قد ترغب بقراءة: لماذا لم يتوقّف تقليد الآباء والأجداد ومشايخ الدين رغم ذمّ القرآن للآبائية؟

خلاصة القول

هناك دول كثيرة قد وضعت قوانين رادعة للتحرش الجنسي، وتكون أحيانا قوانين فعّالة، لكنّها ليست كافية. ولازلتُ أذكر كيف كانت ردّة فعل أشباه الرجال حينما تمّ وضع قانون صارم للتحرش في بلدي، حيث بدا لهم مبالغا فيه. وهنا فقط يمكننا أن نفهم بأنّ المجتمعات تعيش خللا كبيرا لا أدري متى يتمّ إصلاحه. ومن بين الدول الّتي تعمل على مشكلة التحرش الجنسي، تعمد بريطانيا لإنهاء هذه الظاهرة بحلول عام 2030، وذلك في أماكن العمل على الأقلّ. بينما لازال العمل على حلّ مشكلة التحرش الجنسي في الشوارع يسير بخطوات متعثّرة.

ومن بين النصائح الّتي ينصحها الخبراء للنّساء في حالة التعرّض للتحرّش اللفظي، هي أن يكون الردّ مقتضبا على المتحرّش بأنّ فعله ليس مرحبا به، ثمّ السير بعيدا. ولا يجب مطلقا الدخول في نقاش مع المتحرش، لأنّه سيشعر بأنّ الفتاة مهتمّة به عكس ما تحاول الفتاة إيصاله إليه (ليسوا أشباه رجال فقط، بل لديهم مشكلة في الفهم أيضا).

ملاحظة: الصورة البارزة للمقال تعبّر عن حملة Metoo# الّتي بدأتها النساء تشجيعا على التحدّث عن التحرش الجنسي واتخاذ الإجراءات اللّازمة اتجاه المتحرّش.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسماء عابد
أسماء عابد   
أستاذة جامعية حاملة لشهادة دكتوراه في الهندسة الميكانيكية. كاتبة ومدوّنة ومترجمة وباحثة أكاديمية تعشق الكتب والتاريخ والحضارات
تابعونا