قوارب الموت

كيف أصبحت قوارب الموت ملاذا للخروج من الظلم

لا شكّ بأنّ مصطلح قوارب الموت هو مصطلح معروف لدى شعوب كثيرة، لكنّه أكثر شهرة حتما عند شعوب المغرب العربي. فقوارب الموت لا تعني إلّا الهجرة غير الشرعية عبر البحر نحو أوروبا. وهي هجرة يقوم بها الشباب بعد الشعور باليأس من الحياة في بلدانهم الأم.

أنا واحدة ممّن يشجّعون قوارب الموت هذه، وربّما قد يستغرب بعضهم ذلك. فأنا أشعر بما يشعر به أولئك الشباب اليائسون في بلد ظالم استطاعت فيه فئة قليلة أن تستأثر بكلّ شيء، بينما يعيش الشعب لاهثا خلف لقمة العيش. ففي هذه البدان لم يعد النّاس يحلمون، فقد توقّفوا عن ذلك منذ سنين. وفي هذا البلدان يقولون لك “احمد ربك على نعمة التنفّس”. ولهذا أنا أرى هجرة أولئك الشباب أشبه بما طلبه الله منّا في الآية حينما قال “ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها”. فالله لا يرضى الظلم لعباده، ومن يعيش في بلد ظالم، فواجب عليه أن يحاول كفّ الظلم عنه، أو الخروج من هذا الظلم.

سأحكي في هذا المقال عن ارتفاع خروج الشباب في قوارب الموت خلال العام الماضي، وسبب ذلك. كما سأتحدّث عن وجهة نظري في هذا الموضوع ولماذا أؤيّده.

احصل على ثانوية الأشباح

قد ترغب بقراءة: تأمّلات في آية “كنا مستضعفين في الأرض”… مع حكاية شخصية تتعلّق بهذه الآية

عادت قوارب الموت للنشاط في الجزائر بعد الحراك

أوضحت الأرقام جليّا بأنّ ظاهرة الهجرة غير الشرعية قد توقّفت خلال فترة الحراك الجزائري. وهذا وحده دليل كاف على سبب خروج الشباب إلى البحر والمخاطرة بحياتهم. فلم تكن يوما غايتهم مجرّد افتتان ببلد أجنبي، بل كان الظلم وحده من دفعهم إلى البحث عن الكرامة في بلد آخر.

ففي فترة الحراك، تأمّل الجزائريون، كما تأمّلت أنا، أن تتغيّر الأوضاع حقّا. حلمنا بأن نتخلّص من النظام الفاسد نهائيا وأن نبدأ من جديد مع نظام يرغب بالإصلاح بحقّ. كان الشّباب ليصبر ويكافح لو حصل التغيير الّذي كنّا نتمنّاه. لكنّ الريّاح هبّت بشكل مفاجئ وغيّرت الوجهة الّتي كنّا نسير إليها، لنجد أنفسنا عدنا من جديد إلى نقطة البداية، وكأنّ شيئا لم يكن.

ولهذا بمجرّد أن يئس الشباب من نتائج الحراك الفاشل، عادت الفكرة تسيطر على الأذهان ثانية، الهجرة. وبهذا عادت قوارب الموت لتنشط بشكل كبير ولافت خلال العام الماضي، حيث خرجت أعداد هائلة متّجهة نحو أوروبا. وقد قضى بعضهم نحبه في عرض البحر.

والمثير للدّهشة والّذي يكشف مدى اليأس الّذي نعانيه، لم تعد الهجرة غير الشرعية معنيّة بالشباب فقط كما كان الوضع سابقا، بل أصبحت القوارب مليئة بالنساء والأطفال وحتّى كبار السنّ. الكلّ يريد أن يتنفّس الكرامة والحرّية.

وبقدر ما هو منظر حزين أن نرى عائلات تخاطر بنفسها في عرض البحر، وأن نسمع أخبار من مات منهم غرقا أو فقد دون أثر، بقدر ما هو مهمّ أن نفهم بأنّ الوضع يسير إلى ما هو أسوأ. فأن تحكم على شعوب كاملة بالموت وهم أحياء، يعني أن تخبرهم بأنّ حياتهم البائسة وموتهم في البحر هو أمر سواء.

هل يمكن إيقاف قوارب الموت في بلدان المغرب العربي؟

أعتقد بأنّ ظاهرة الهجرة غير الشرعية ستزداد طالما لا يوجد أفق واضح للتّغيير وتحسّن الأوضاع في أيّ بلد يعاني من هذه الظاهرة. فلو وجد الشباب العمل الكريم والعيشة الكريمة لما خاطروا بأنفسهم إلى المجهول. ولا أدري كيف يمكن أن يحصل ذلك، ولا يبدو لي بأنّ تحسّن الأوضاع سيحدث قريبا.

والأمرّ من كلّ ذلك هو كيف يقوم مسؤولون ووسائل إعلام بتناول الموضوع كما لو أنّهم يتعاملون مع شعب درويش. ربّما لأنّهم اعتادوا على كونه شعبا يؤمن “بالغولة” وتكفيه كلمة واحدة ليصدّق. فقد صدّعوا رؤوسنا بعبارات سخيفة مثل “الجزائر الجديدة” و”الأيادي الخارجية” ولا أدري ماذا. ربّما لن نحاسب من يتسبّبون في هذا الخراب لهذه الشعوب، لأنّهم يفعلون ذلك عمدا. لكن ماذا عن مسؤول عادي أو صحفي عادي، لماذا يواصلون الكذب على الشعوب وإيهامها بالخزعبلات؟ هم أيضا مسؤولون عن الفساد لأنّهم لم يسكتوا عن الحقّ فقط، والساكت عن الحقّ شيطان أخرس، بل هم يعينون على الفساد بكذبهم وتدليسهم.

قد ترغب بقراءة: لماذا أصبحت كافرة بأنظمة التعليم الفاشلة في هذا العالم؟

خلاصة الكلام

ستظلّ الشعوب المغلوب على أمرها تكافح لتحصل على عيشة كريمة، وستواصل هذا الكفاح إلى أن يعيينها الله على درء الفساد. وجلّ ما أتمنّاه هو أن يحمي الله كلّ راكب في قوارب الموت إلى أن يصل وجهته ويشارك فرحته مع أهله بالخروج من الظلم. وأن يكبر جيل جديد يفهم أخطاء من كان قبله، فيقوم بالتغيير الحقيقي لتنبض الشعوب بالحياة من جديد.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسماء عابد
أسماء عابد   
أستاذة جامعية حاملة لشهادة دكتوراه في الهندسة الميكانيكية. كاتبة ومدوّنة ومترجمة وباحثة أكاديمية تعشق الكتب والتاريخ والحضارات
تابعونا