أزمة الرجل الشرقي

أزمة الرجل الشرقي… إليكم مظاهر وأسباب هذه الأزمة الّتي لم تتغيّر منذ قرون

أكتب هذا المقال عن أزمة الرجل الشرقي بالتزامن مع مقال أزمة المرأة الشرقية. فكلا الأزمتان لهما تقريبا نفس الأسباب ونفس النتائج. وإن لم تحدث عملية إصلاحية للمجتمع ككلّ، فسيظلّ مجتمعا أعرجا لا يسير على ساقين سليمتين.

ولا شكّ بأنّ الاعتراف بالمشكلة هي بداية جيّدة لحلّها. فمن لازال يرفض بأنّ الثقافة الشرقية تؤثّر سلبا على المجتمع، فهو كمن لازال يعيش في خيمته في البادية الصحراوية في جاهلية ما قبل الإسلام، ويرفض أن يعترف بما هو أبعد من حدود القبيلة والأعراف.

ولهذا سأتحدّث في هذا المقال عن أزمة الرجل الشرقي وكيف نتجت ولازالت تنتج جيلا بعد جيل، دون أن تجد من يوقفها. وسأتحدّث عن حالات لرجال شرقيين جعلتهم ثقافتهم يفسدون أسرهم بأيديهم، وذلك حينما لم يستطيعوا فرض السيطرة الذكورية الّتي يعتقدونها حقّا لهم.

احصل على ثانوية الأشباح

بعض عوامل أزمة الرجل الشرقي

أتذكّر تعليقا لم أستطع محوه من ذاكرتي لشخص من المجتمع الغربي قال فيه “الرجل عندكم يظنّ بأنّه هبة الله على هذه الأرض”. وهو تعبير صحيح جدّا يبيّن كيف ينظر بقيّة المجتمعات إلى هذا الرجل الشرقي الّذي حيّرهم. ففعلا، يكبر الرجل الشرقي وهو يعتقد بأنّه كائن سامي وبأنّ المرأة أقلّ منه شأنا.

وقد كرّس لمثل هذه الفكرة الكثير من العوامل. فأوّلا البيئة القبلية لسكّان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لازالت لم تفارقهم. وفي تلك البيئة كان للرجال حظّ أكبر من النساء. ورغم أنّ تطوّر الحضارات قد أفرز تصحيحا لمختلف المفاهيم القديمة الخاطئة، مثل دونية المرأة ودونية البشرة السوداء ودونية بقيّة الأعراق مقارنة بالعرق الأبيض. إلّا أنّ الحال بالنّسبة للمرأة لازال كما هو في المجتمع الشرقي.

ولا ننسى عاملا مهمّا آخر هو الدّين. فهذا الرجل المتأزّم بعقدة أن يكون أفضل من المرأة، قام على مرّ العصور بجعل الدّين سيفا قاطعا يجعله يتبوّأ هذه المكانة رغما عن الحقيقة الّتي يدركها هو جيّدا. ولازال يثير ضحكي ما يقوله بعض رجال الدين عن أنّ الرجل عظيم ويجب أن تعبده المرأة. بينما لا يوجد دليل واحد يثبت هذه النظرية المنحرفة لا في الإسلام ولا في الواقع. وقد كتبت من قبل مقالا عن معنى القوامة لمن لازال يعتقدها عظم شأن الرجل.

ومن ثمّ يكمل المجتمع الإبقاء على مثل هذه الأزمة حيّة جيلا بعد جيل.

فليس الأب فقط من يساهم في قولبة ابنه ليكبر رجلا شرقيا، بل الأم تفعل ذلك أيضا. بل وربّما للأم نصيب أكبر في ذلك. وهذا ما سأتحدث عنه أكثر في مقالي عن أزمة المرأة الشرقية.

فالمرأة تكرّس لهذه الأزمة حينما تمنح طفلها الذكر امتيازات على حساب أخته، وحينما ترميه بعبارات من مثل “لا تبكي فأنت رجل”، و “كفّ عن الالتصاق بي فأنت رجل”. وبهذا تحرم الأم طفلها من الحنان اللّازم وتجعله يكبر بسرعة. فيكبر بأزمتين حرجتين: أزمة نقص العاطفة وكتمان العاطفة، فلا يستطيع مستقبلا أن يعامل زوجته بأيّ عاطفة لأنّه قد كبر يظنّ بأنّ الرجل لا يجب أن يكون عاطفيا. وأزمة الشعور بأنّه أفضل من المرأة لأنّه كبر يرى أخته تقوم بأعمال المنزل، بينما لا يُطلب منه هو حتى ترتيب أدواته المدرسية أو ترتيب ثيابه.

وهذه النقاط البسيطة في التربية كفيلة بتغيير جيل كامل ليصبحوا رجالا دون أزمات، إن تمّ التركيز على تعليم الأمّهات كيفية تربية الأولاد بشكل سليم. ومثل هذا يحتاج إلى جهد وجمعيات تُعنى بتعليم الأزواج كيفية تربية الأبناء، كما كنت قد تحدّثت من قبل في مقال سابق.

كما لا ننسى أيضا دور المجتمع في هذا الأمر. فمجتمعاتنا تمنح لعلاقة الرجل والمرأة حجما أكبر من حجمها. فرجال الدين من جهة يخبرون الرجال بأنّ المرأة شيطان إن اقترب منها سيزني بها تلقائيا. ويخبره الآباء والأمّهات من جهة أخرى بأنّ الزواج هو هدف في الحياة يجب أن يبلغه، وإلّا فلن تكتمل رجولته. وبهذا تتكوّن لدى هذا الرجل نظرات سلبية عن المرأة لا يسهل تغييرها.

قد ترغب بقراءة: كيف يحاول العالم العربي إقحام الدين حينما يتعلّق الأمر بعادات وتقاليد محضة

بعض مظاهر أزمة الرجل الشرقي

أبسط المظاهر لهذا الرجل الشرقي هو نظرته للمرأة على أنّها شهوة لا أكثر. فتجد الرجل الشرقي ينتظر الزواج بفارغ الصبر ليقضي تلك الشهوة فقط. وحينما يفعل، ينقلب رجلا باردا لا يرغب بالحصول على أيّ شيء آخر من المرأة، عدا عن قضاء شهوته كلّ ما احتاج لذلك.

ولطالما اشتكت نساء من أزواجهنّ بسبب الطريقة المهينة الّتي يعاملن بها. إذ لا يحاول الرجل الشعور بأيّ عاطفة اتجاه زوجته، بل يجعلها تشعر وكأنّها أداة لقضاء شهوته وكفى. ويحدث ذلك حتى حينما يكون الرجل معسول الكلام في فترة الخطوبة. فالرجل الشرقي مبنيّ لينظر إلى المرأة على أنّها ملذّات الدنيا كلّها، ولذلك يتودّد لها قبل أن يحصل على مراده. لكن وبمجرّد أن يفعل. تبرد عنده تلك النظرة الشغوف بالمرأة، ويبدأ بمعاملتها بالشقّ الثاني من أزمته، وهي المعاملة الدونية ليشعر بالرضى عن نفسه.

ولهذا تكون السّيطرة هي المظهر الثاني المهمّ للرجل الشرقي. فأمّه لم تعلّمه بأنّه يجب أن يهتمّ بشؤون أخته وأن يحميها ويعطف عليها. بل علّمته بأنّه رجل وبأنّ أخته ستجلب له الماء لأنّها امرأة. فكبر هذا الرجل يظنّ بأنّ الحياة تسير هكذا. أن يكون هو المسيطر، هكذا دون سبب أو منطق، وأن تكون المرأة أقلّ منه مرتبة فتخدمه كلّما رغب بذلك. بينما قد بيّنت آية القوامة الّتي شرحتها من قبل، بأنّ الرجل مطالب بأن يقوم بشؤون المرأة ويحميها ويكون سندا لها. ولم يذكر القرآن شيئا عن تحكّم الرجل بالمرأة بأيّ شكل من الأشكال.

وبهذا ننتقل إلى المظهر الثالث المهمّ وهي عقدة النقص. فالرجل الشرقي يعلم بأنّ هناك خللا ما في طريقة تفكيره. لكنّه يرفض أن يعترف بذلك، وهو فعلا أمر صعب أن يمحو سنوات من بناء تلك الأزمة بداخله بتلك السهولة. ولهذا يعيش مع عقدة نقص يخرجها من خلال منع المرأة عن ممارسة حياتها بحرّية. ومن خلال رفض الاعتراف بأنّ المرأة قادرة على النجاح في مختلف مجالات الحياة. فإن اعترف بكلّ ذلك، فأين ذهب عظم شأنه مقارنة بالمرأة؟ هل كان كلّ ذلك مجرّد كذبة كبيرة يعيشها؟ لكنّ المجتمع كلّه يعيش بتلك الطريقة، فالأفضل إخفاء تلك الأفكار ومواصلة القيام بالدور المنوط به، وهو أن يكون رجلا شرقيا.

متى يظهر ضعف الرجل الشرقي الحقيقي

هناك حالات في المجتمع يظهر فيها المعدن الحقيقي للرجل الشرقي المتأزّم. فأبسط حالة هي حينما يكون عقيما، إذ يحاول أن يخفي ذلك بكلّ الطرق الممكنة، بل ويرفض أن يقوم بالتحليل حينما تكون زوجته سليمة طبّيا. فأن يكون الرجل عقيما هي حالة لا يجب أن تكون بالنسبة للرجل الشرقي. رغم أنّها أمر بسيط للغاية، فهي حكمة الله، ويمكن التغلب عليها بسهولة من خلال الاتفاق مع الزوجة على تربية طفل يتيم.

وتظهر أزمة الرجل الشرقي أيضا إذا ما تزوّج بامرأة ناجحة في عملها أو تملك شهادة أعلى منه. إذ يجعل من حياتها جحيما لأنّه لا يرضى بأن تكون زوجته أعلى منه درجة في أيّ مجال. ولهذا كثيرا ما يُقال بأنّ الرجل الشرقي يبحث عن فتاة بلهاء في أغلب الأحيان، وذلك كي يستطيع التحكّم فيها كما يشاء، وأن يشعر بأنّه أفضل منها. بينما يبتعد عن الفتاة الذكيّة المتعلّمة، لأنّها ستتفوّق عليه وسيشعر بالأسى على نفسه.

وتظهر أزمته أيضا حينما يتزوّج بأجنبية لا تقبل بأزماته الشرقية.

وشخصيا قد شاهدت قصص الكثير من الحالات الكارثية بسبب أزمة الرجل الشرقي. وأذكر بأنّني علّقت على إحداها بالقول بأنّ المرأة الغربية مجنونة إن فكّرت بالارتباط برجل شرقي. فلا يستطيع الرجل الشرقي أن يعيش مع المرأة الغربية لأنّها ببساطة لا تقدّسه كما تفعل نساء المجتمع الشرقي. بل تعتبر نفسها شخصا حرّا وبأنّ زواجها به هو عقد شراكة بين شخصين بالغين، لا عقد سجن وتعذيب.

وقد رأيت شخصا جرّ زوجته المسلمة الأسترالية إلى زيارة بلده الأم والتوقيع على أوراق مكتوبة بالعربية خدعها بأنها أوراق عادية، بينما كانت أوراقا تمنعها من الخروج من بلده. وأرسل عائلته لسرقة ابنته من زوجته، إذ قالوا لها بأنّ البنت ستتربّى مع عائلة أبيها. وظلّت الأمّ تتعذّب في بلد لا تعرف فيها أحدا لأكثر من سنتين حسب ما أذكر. بينما كان هو يعيش في أستراليا وكأنّ شيئا لم يكن. ولم يستطع إنقاذها من ذلك الجحيم سوى أبيها حينما سافر إليها ودفع المال ليتلقّى المساعدات، إلى أن استطاعت العودة إلى بلدها بابنتها.

ولن أنسى قصّة أمينة وسارة، إذ قتلهما أبوهما الشرقي بعد أن حاول تهريبهما إلى بلده لتزويجهما وهما لم تبلغا السابعة عشر بعد. وقصّة الفتاتين البريطانيتين اللّتان أرسلهما أبوهما في سن الخامسة عشر لزيارة الشرق الأوسط. بينما كانت خدعة، إذ قام بتزويجهما لشخصين بدويين. وقد وصل الحال بإحداهما أن رفضت العودة لبلدها حينما استطاع أخوها أخيرا أن يصل إليها. فقد قالت بأنّ حياتها قد انتهت، ولها ستّ أطفال. وبأنّها قد توقّفت عن التفكير بكيفية الخروج من جحيمها منذ مدّة طويله.

وهذه بعض الأمثلة فقط الدّالة على أنّ أزمة الرجل الشرقي ليست بسيطة أبدا. فقد يفعل أيّ شيء مقابل الإبقاء على فكرة السيطرة وفكرة أنّه يجب أن يتحكّم في حياة المرأة. ولهذا يصل به الحال إلى رمي بناته أو إلى قتل زوجته حينما تتمّ تعريته أمامهنّ.

خلاصة القول

سأكتفي بهذا القدر في هذا الموضوع. وأتمنّى بأنّني قد وفّقت في شرح مختلف مظاهر وأسباب أزمة الرجل الشرقي. وطبعا هذا المقال لا يعني التعميم، إذ هناك رجال يعيشون في المجتمع الشرقي دون أزمات. لكنّ الحالة العامّة تعني رجلا متأزّما في مختلف الظروف.

يمكنكم الاطّلاع على مقالي عن أزمة المرأة الشرقية من هنا. إذ يكمّل هذان المقالان بعضهما بشكل كبير. كما يمكنكم الاطلاع على مقالات أخرى عن سلبيات عقلية الرجل الشرقي الّتي يقحمها عمدا في الدين، وذلك من خلال مقالي عن تعدد الزوجات، ومقالي عن ضرب المرأة في القرآن، ومقالي عن طلاق الرسول لسودة المزعوم.

قد ترغب بقراءة: لماذا لم يتوقّف تقليد الآباء والأجداد ومشايخ الدين رغم ذمّ القرآن للآبائية؟



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

8 + ستة =

أسماء عابد
أسماء عابد   
أستاذة جامعية حاملة لشهادة دكتوراه في الهندسة الميكانيكية. كاتبة ومدوّنة ومترجمة وباحثة أكاديمية تعشق الكتب والتاريخ والحضارات
تابعونا
روايتي “ثانوية الأشباح”
class="no-lazyload"
يمكنكم شراء وقراءة روايتي "ثانوية الأشباح" من خلال الرابط أدناه. بسعر 0.99 دولارا فقط!

اضغط هنا للاطلاع على التفاصيل

اشتري الآن