لماذا يأكل الصينيون كل شيء

ربّما تساءلتم لماذا يأكل الصينيون كل شيء ؟ والإجابة ليست كما يظنّ البعض

بعد انتشار وباء فيروس كورونا مؤخّرا، وبعد أن ثارت الشّكوك حول انتشاره بسبب سوق حيوانات برّية في ووهان، بدأ النّاس بالتّساؤل والبحث عن سؤال محيّر، وهو: لماذا يأكل الصينيون كل شيء ؟

مباشرة بعد انتشار فيروس كورونا، قامت السّلطات الصّينية بإغلاق سوق ووهان، كما قامت بمنع المتاجرة بالحيوانات البرّية. لكن هل حقّا سيسفر هذا عن منع تامّ لتناول مثل هذه المأكولات؟ والإجابة هي لا حتما.

فحتّى بعد وباء سارس عام 2003، عادت الأسواق الرّطبة كما تتمّ تسميتها لبيع الحيوانات البرّية كما كانت من قبل. وحتّى حاليا، لا يبدو أنّ الصّينيين سيتخلّون عن تجارة الحيوانات البرّية وأكلها. ففي حديث لبعض تجّار الحيوانات البرّية لرويترز، كلّ ما يتطلّعون إليه هو انتهاء الجائحة للعودة إلى بيع الحيوانات البرّية.

في محاولة لفهم سبب حبّ الصّينيين لتناول الحيونات البرّية والحشرات وحتّى القطط والكلاب طبعا، وجدتُ بعض التّفسيرات الّتي تقول بأنّ المجاعة هي السّبب، وأخرى تقول أنّ السّبب هي سيايات ماو تسي تونغ بعد المجاعة. لكنّها في الحقيقة تفسيرات خاطئة تماما.

أمّا سرّ أكل الصّينيين لكلّ كائن حيّ فهو بسيط للغاية، لكن لنحاول أوّلا فهم خطأ عزو ذلك إلى المجاعة أو إلى سياسات ماو.

احصل على ثانوية الأشباح

قد ترغب بقراءة: محمد مرسي… نبذة مختصرة عن أوّل رئيس منتخب في تاريخ مصر

قد ترغب بقراءة: تعرّفوا على مأساة الروهينغا من بدايتها إلى يومنا هذا

لماذا يأكل الصينيون كل شيء … هل للمجاعة علاقة بذلك؟

تولّى الحزب الشّيوعي بقيادة ماو تسي تونغ حكم الصّين سنة 1949، وقد حاول الأخير أن يقفز بالصّين قفزة كبيرة نحو الأمام وجعلها تساوي الدّول المتقدّمة، فيما تُسمّى بالقفزة العظيمة للأمام، فعمل على بعض الإجراءات الّتي تحوّل الصّين إلى بلد صناعي وإلى مجتمع شيوعي. أمر ماو الفلّاحين بترك مزارعهم الخاصّة، والّتي كات توفّر في الحقيقة حوالي 80% من غذاء الصّينيين، وطلب منهم العمل في الزّراعة الجماعية الّتي تقع تحت أمر الحكومة. إضافة لذلك، جعل الفلّاحين يعملون في الصّناعة، بينما تُركت أراضيهم دون استغلال.

أدّت سياسات ماو غير المحسوبة إلى نقص حادّ في المحاصيل الزّراعية، وبخاصّة إلى جانب تواصل تصدير المواد الغذائية للخارج. ونتجية لذلك حصلت مجاعة كبير تُعدّ من أسوء المجاعات في تاريخ البشرية، حسث امتدّت منذ سنة 1958 إلى سنة 1961.

كانت نتيجة تلك المجاعة الكبيرة أن مات حوالي 25 إلى 30 مليون صيني. ولم يعلم أحد عن هذه المجاعة إلى حوالي سنة 1980. فحتّى من زار الصّين في فترة المجاعة لم يعلم بوجودها.

لكن خلال قراءتي عن هذه المجاعة، لم يكن هناك أيّ كلام عن أنّها دفعت بالصّينيين إلى أكل الحيوانات البرّية. فما تخبره القصص عن المجاعة هي بأنّ الصّينيين قد لجؤوا لأكل العشب وأوراق الشّجر ولحائها وحتّى النّباتات البرّية في محاولة للنّجاة. إضافة لذلك، حصلت حوادث متفرّقة لأكل البشر، وذلك بسبب اليأس الّذي وصل إليه الشّعب.

هل كانت أومر ماو تسي تونغ هي ما جعلت الشّعب الصّيني يأكل الحيوانات البرّية؟

بعد أن مرّت المجاعة، حاول الشّيوعيون إصلاح الأمور. ومن بين ما أمر به ماو الصّينيين هو الاستفادة من الطّبيعة إلى أقصى حدّ، حيث طلب منهم استغلال الأرض للزّراعة قدر اسطاعتهم. ولذلك يسمّيه الكثير مدمّر الطّبيعة لأنّه جعل النّاس يدمّرون الغابات والأنهار بسبب أوامره. ويقول البعض أنّه طلب منهم أيضا جمع الحيوانات البرّية وأكلها وبيعها. لكن موضوع تدميره للطّبيعة هو أمر أيضا مشكوك فيه وهناك من يرفضه ويجادله، وذلك طبقا لبيتر هو في مقاله الّذي يوضّح كيف تمّ تحريف تلك الفترة والمبالغة فيها لا أكثر.

ولنفهم الموضوع أكثر، لنشرح أوّلا لماذا من الخطأ أن نظنّ أنّ المجاعة أو أوامر ماو هي السّبب. فالحقيقة أنّ أكل الحيوانات البرّية ليس بالأمر السّهل، فاصطيادها يحتاج وقتا وجهدا ومهارة وأدوات. فكيف يستطيع الصّيني الّذي لا يجد ما يسدّ رمقه ما يكفي من وقت أو جهد للذّهاب إلى الغابات والبحث عن الحيوانات البرّية وصيدها؟ الأمر واضح تماما أنّه مستحيل، ولهذا تقول الدّراسات أنّ الصّينيين لجؤوا لأكل النّباتات البرّية وحتّى لحم البشر في حالات نادرة، لكن لم تذكر شيئا عن الحيوانات البرّية وكأنّها كانت الحلّ أو كانت في متناول أيديهم حتّى.

وثانيا، لم أجد في المقالات ما يدلّ على أنّ ماو طلب من الصّينيين جمع الحيوانات البرّية كما هو مشهور. لكن لنفترض أنّ ذلك حدث، فهو لم يحدث إلّا لسبب واحد، وهو تحسّن الوضع الاقتصادي وتحسّن القدرة الشّرائية الّتي تسمح للصّينيين بشراء الحيوانات البرّية من الباعة.

وقد أكّد لي تشانغ، وهو أحد الأكادميين الصّينيين، هذا الموضوع في مقاله. فالحقيقة أنّ الحصول على الحيوانات البرّية لأكلها يحتاج لوفرة المال، وليس أمرا يستطيع أيّ كان القيام به. ولأنّ الحالة المالية بدأت تتحسّن تدريجيا، فقد عكف الصيّادون على اصطياد المزيد من الحيوانات البرّية وبيع لحومها للأغنياء. بل وأدّى فتح الحدود مع الدّول المجاورة، بخاصّة فيتنام، إلى قيام حركة تهريب كبيرة للحيوانات البرّية من فيتنام إلى الصّين، وذلك ليقوم التجّار ببيع لحومها.

إذن نعود للسّؤال المطروح… لماذا يأكل الصينيون كل شيء ؟

أمّا عن حقيقة أكل الصّينيين للكائنات الحيّة بمختلف أنواعها فيعود لآلاف السّنوات، وهو جزء متجذّر في الثّقافة الصّينية لا أكثر. فمنذ القدم يستخدم الصّينيون الحيوانات البرّية في صناعة الأدوية، ولازالت الأدوية الصّينية التّقليدية المصنوعة من أعضاء حيوانات برّية مشهورة إلى يومنا هذا. وإلى جانب استخدامها للأوية، يتمّ أكلها أيضا واستخدام جلودها وعظمها لأيّ غرض مهمّ للمنزل أو ما شابه.

فالصّيني يؤمن في معتقداته بأنّ الطّبيعة خُلقت ليستغلّها الإنسان، فأن تسأله عن سبب أكله للحيوانات البرّية هو سؤال لا مبرّر له بالنّسبة له، وستكون الإجابة : ما المانع في أكلها؟

يتحدّث وينهوي هو، وهو أحد الأكادميين الصّينيين، في مقاله عن كيف أنّ الطّبيعة في أعين الصّيننين هي أمر من حقّهم استغلاله بأيّ طريقة كانت، وذلك تفكير منغرس منذ آلاف السّنين. فهناك قول راسخ في الثّقافة الصّينية يقول عن الحيوانات “الجلود للألبسة، والرّيش للاستخدام، واللّحم للأكل، والأعضاء للدّواء”.

وقد تحدّث مقال في موقع ThinkChina عن عادة أكل الحيونات البرّية، حيث أوضح كيف يتعلّق الأمر بطريقة تفكير الصّينيين منذ القدم. فبالنّسبة لهم، تُعتبر الحيوانات البرّية موردا غذائيا طبيعيا غير ملموس، ما يعني أنّها صحّية أكثر وتمنح الجسم تغذية أكثر.

لكن إضافة إلى اقتناع الصّينيين بأنّ الحيوانات مسخّرة للبشر لاستخدامها وأكلها، فقد أصبح الأمر أشبه بدليل على الغنى والرّفاهية. فأن يوجد طبق من حيوان برّي يعني أن تكون الطّاولة فخمة أكثر. كما أنّ التقاط الصّور وأنت تأكل الحشرات أو الحيوانات الغريبة يجعلك تبدو رائعا في مواقع التّواصل الاجتماعي. فالأمر أصبح أشبه بالتّباهي لا أكثر، وكذا تجربة أشياء جديدة طالما لديك المال لتحصل عليها.

هل يتوقّف الصّينيون عن أكل الحيوانات البرّية بعد فيروس كورونا كوفيد 19؟

في حوار نشر على موقع npr، تحدّث جينغ جونغ سي، أستاذ جامعي صيني، عن علاقة الأسواق الرّطبة بانتشار فيروس كورونا. وخلال حواره ذاك، أوضح سي بأنّ أكل الحيوانات البرّية بعتبر دليلا على الغنى، إضافة إلى أنّ الثّقافة الصّينية تقول بأنّ أكل الحيوانات البرّية غنيّ أكثر ويقوّي المناعة.

والحقيقة أنّ الأسواق الرّطبة هي مكان مناسب فعلا لانتقال الفيروسات من حيوان لآخر، ومن الحيوانات إلى البشر، وذلك لاختلاط مختلف أنصاف الحيوانات البرّية معا، وقلّة إجراءات النّظافة والوقاية. وقد حاولت الصّين إغلاق الأسواق الرّطبة بعد انتشار وباء سارس، والّذي انتشر بسبب الحيوانات البرّية أيضا. لكنّ الصّينيين لم يتقبّلوا ذلك، وعادات الأسواق للعمل كما كانت. فكما قال جينغ جونغ سي، اعتاد الصّينيون على تلك الأسواق ليس فقط لشراء لحوم الحيوانات، بل للدّردشة مع الباعة ومع بقيّة المشترين.

لا يبدو واضحا بعد إن كان فيروس كورونا كوفيد 19 قد انتشر من سوق ووهان للحيوانات البرّية أم لا، فهناك من يقول أنّه خرج من مختبر ووهان. لكن لا أحد ينكر أنّ اتّصال البشر بالحيوانات البرّية خطير جدّا. فتلك الحيوانات، وبخاصّة الخفافيش، تحمل فيروسات خطيرة تجد طريقها للعيش داخل الجسم البشري كلّما استطاعت ذلك. والتعرّض لذلك الكمّ من الدم واللّحم في الأسواق الرّطبة ليس حتما بالفكرة السّديدة.

قد ترغب بقراءة: مقارنة بين فيروس كورونا كوفيد 19 وفيروسات سارس و ميرس و إيبولا و إنفلونزا الخنازير

الخلاصة

ما أردت توضيحه في هذا المقال هو أنّ القول بأنّ سبب أكل الصّينيين للحيوانات البرّية كان بسبب المجاعة هو أمر خاطئ. والقول بأنّها عادة دأب الصّينيون عليها لأنّ ماو تسي تونغ أمرهم بها هو خاطئ أيضا.

فأكل مختلف الكائنات الحيّة أمر راسخ في الثّقافة الصّينية منذ آلاف السّنين، إذ يستخدمها الصّينيون للتّداوي، ويعتبرون تناولها مفيدا للجسم ومقوّيا للمناعة. وكلّ ما حدث هو أنّه في السّبعينيات وبعد أن بدأ الحال يتحسّن في الصّين، أصبح لصيد الحيوانات البرّية نفع حيث يقوم الأغنياء بشرائها لتناولها والتّباهي بها. وقد ازدهر صيد وتجارة وتهريب الحيوانات البرّية في الصّين بشكل كبير منذ ذلك الوقت.

هل يتخلّى الصّينيون عن أكل الحيوانات البرّية؟ لا أعتقد ذلك. فستمرّ حادثة كورونا كما مرّ سارس من قبل وسيعودون لتناولها. ورغم أنّ السّلطات الصّينية قد منعت بيع الحيوانات البرّية بعد انتشار كوفيد 19، لكن لا أحد يضمن أنّه حجر كلّي. وقد عادت سوق ووهان للعمل من جديد مؤخّرا، ورغم أنّها تبيع المأكولات البحرية فقط حاليا، لكن من يدري متى تعود لعادتها كما كانت.

المصادر

China’s great famine: 40 years later

‘Animals live for man’: China’s appetite for wildlife likely to survive virus

Why ‘Wet Markets’ Persisted In China Despite Disease And Hygiene Concerns

Wildlife consumption and conservation awareness in China: a long way to go

Wildlife and Traditional Chinese Medicine: Supply and Demand for Wildlife Species

The Environmental Crisis in China and the Case for Environmental History Studies

Love for wild game: The history and the controversies

Mao’s War against Nature? The Environmental Impact of the Grain-First Campaign in China

The Demographic Responses to Famine: The Case of China 1958-61



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + 5 =

أسماء عابد
أسماء عابد   
أستاذة جامعية حاملة لشهادة دكتوراه في الهندسة الميكانيكية. كاتبة ومدوّنة ومترجمة وباحثة أكاديمية تعشق الكتب والتاريخ والحضارات
تابعونا
روايتي “ثانوية الأشباح”
class="no-lazyload"
يمكنكم شراء وقراءة روايتي "ثانوية الأشباح" من خلال الرابط أدناه. بسعر 0.99 دولارا فقط!

اضغط هنا للاطلاع على التفاصيل

اشتري الآن